منظمة مجاهدي خلق إيران : البدايات والنهاية من أيديولوجيا ملفقة إلى تنظيم إرهابي

 

وکالة براثا للأنباء


 
بقلم:د. صلاح عبد الرزاق

باحث في الفكر الإسلامي المعاصر

 

الأيديولوجيا

تأسست منظمة مجاهدي خلق (مجاهدي الشعب) عام 1965 . وهي منظمة تتبنى خليطاً من الأفكار الإسلامية والماركسية. وتعود بداياتها الفكرية إلى عام 1963 بعد ثورة 15 خرداد 1342 هجري شمسي (الموافق 6 مايس 1963) التي تزعمها الإمام الخميني ، وقيام تظاهرات ضد نظام الشاه ومواجهات مع قواته العسكرية والأمنية. وقد أدت إلى اعتقالات واسعة في صفوف الإسلاميين والسياسيين من التيارات الأخرى،وإلى نفي الإمام الخميني إلى تركيا، ثم إلى العراق.

بعد انزواء أغلب السياسيين الناشطين عن العمل السياسي بسبب أجواء القمع والكبت والملاحقة التي فرضها الشاه على العمل السياسي والشارع الإيراني، أخذ ثلاثة طلاب جامعة هم محمد حنيف نجاد وعلي أصغر بديع زادكان وسعيد محسن،  يعقدون جلسات غير منتظمة في الفترة من 1965 إلى عام 1967 . وانشغلوا في تلك الجلسات بقراءة الكتب الماركسية بهدف البحث عن تيار للكفاح وتدوين أيديولوجيا متكاملة.

في تلك الفترة كان العالم الإسلامي قد تعرف على الأفكار الماركسية والإشتراكية التي ترافقت بظهور حركات سياسية ثورية (نظام فيدل كاسترو في كوبا، ثورة غيفارا في بوليفيا، وحركات أخرى في أفريقيا وآسيا تتلقى دعماً من الاتحاد السوفياتي والصين) تناضل الأنظمة الدكتاتورية والمرتبطة بالإمبريالية العالمية.

بدأ منظرو الجماعة مثل حنيف نجاد وعلي ميهن دوست بتأليف كتب مستلهمين الماركسية باعتبارها علم وفن النضال. وبناءاً على ذلك تقبلوا أصول الديالتكيك الماركسية. وكان أول مؤلفاتهم الذي تم نشره هو (مبارزة جيست؟) أي (ما هو النضال؟) والذي تضمن التأكيد على الثقافة العلمية الصحيحة في النضال. ثم صدر كتاب (شناخت) أي (المعرفة) الذي يُعد تلخيصاً لكتاب (الفلسفة المادية الديالكتيكية) لجوزيف ستالين الذي أوضح أسس الماركسية، وكتاب (أصول الفلسفة) لجورج بليستر، وكذلك كتاب (أربع مقالات فلسفية) لماو تسي تونغ.

وقد نحى منظرو الجماعة منحى يسعى لتطبيق الأصول الديالكتيكية على التراث الإسلامي. إذ قاموا بأخذ آية من هنا ، وعبارة من نهج البلاغة من هناك بهدف إثبات انطباقها على الأصول الديالكتيكية.

وأما موقف مجاهدي خلق من الدين، فقد تبنوا مقولات لينين المعادية للدين مثلاً: يجب أن نحارب الدين. هذه ألفباء المادية والماركسية. يجب أن لا تقتصر الحرب على الدين بالحرب الأيديولوجية بل يجب أن تمتزج بالحرب على الحركات الإجتماعية بهدف استئصال الجذور الاجتماعية للدين.

وتضمن الكتاب التأكيد على أن نظام الرق والعبودية قد ساد في الشرق الأوسط ، وأن أديان الشرق من خلال الأنبياء ناضلوا ضد نظام الرق، وكان هناك أنبياء ثوار قاموا بحركات ضد نظام الرق، حتى تلاشى نظام الرق وحل محله نظام الإقطاع.

وحاول منظرو المنظمة إثبات نظرية المعرفة الانعكاسية التي ترى بأن الأمور المادية الملموسة هي وحدها التي تنعكس في الذهن . أما الأمور الغيبية كالوحي والإيمان فليست قابلة للإنعكاس في الذهن. ولذلك اعتبروا القرآن كتاباً يمثل مرحلة تاريخية خاصة بالرسول محمد (ص) وكان مؤثراً في زمانه (ص). وهذا ينطبق على دور وفكر الأنبياء الذي ينتهي بوفاتهم.

وقد أدى الانغماس في الفكر الماركسي إلى لفظ المصطلحات الإسلامية وتبني مصطلحات جديدة مثل رأس المال، الطبقة البورجوازية، طبقة العمال، الانتهازية، . وحتى في كتاب (من هو الشهيد) عدّوا هوشي منه شهيداً.

في كتاب (التكامل) عرّفوا العالم بأنه مادة في حال تغيير، وأن الحركة هي العقائد المادية بصدد العالم. كما تقبلوا نظرية داروين، وأثبتوا أنها أصل. وبناءاً على ذلك صاروا يفسرون تغيير وتبدل النباتات وتطور الأسماك والطيور والزواحف وغيرها. وأن القرد تطور حتى صار إنساناً.

وباستخدام بعض الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة أثبتوا : أن أي وسيلة في ظروف مكانية وزمانية معينة توصلنا إلى الهدف فهي حق. وأن نفس الوسيلة في ظروف أخرى لا توصلنا إلى الهدف وتبعدنا عنه فحسب، بل هي باطل. وعلى ذلك فالقديم يعبد طريق التكامل والجديد هو عامل تكامل. فالحق والباطل قضية نسبية وترتبط بظروف المكان والزمان، وتظهر بأشكال مختلفة وحسب الظروف.

كما سعت المنظمة إلى إثبات أن الأخلاق الإنسانية كالإيثار والشهادة والوحي والفطرة الإنسانية وجميع الصفات الإنسانية الحسنة والقبيحة كالحرص والطمع ، كلها تعود إلى تأثير الملكية الخاصة.

وفي كتاب (طريق الحسين) الذي كتبه رضائي، يرى فيه أن فهم القرآن الكريم مشروط بدراسة وفهم الثورات العلمية المعاصرة. ولا يقتصر على هذا المستوى بل يقول بأن رسالة الوحي تستند إلى المفاهيم الثورية.

كان الأعضاء المؤسسون يوضحون مواقفهم تجاه مختلف القضايا. يقول علي ميهن دوست: نحن عباد الله، ولكننا لا نرد الماركسية. وفي مكان آخر يقول: إن الأساس المشترك للأيديولوجيات هو محو الاستغلال. ويقول أيضاً: لا توجد أيديولوجيا في المجتمع اللاطبقي لأنه لا يوجد استغلال يحتاج إلى أيديولوجيا لإزالته. وبناءاً على ذلك فالمجتمع اللاطبقي هم مجتمع موحِّد ، وسيكون مجتمعاً شيوعياً.

 

العمل السياسي

إلى عام 1971 لم تستطع المنظمة القيام بنشاطات سوى عقد جلسات وتنظيم كوادرها وكتابة الأيديولوجيا المختلطة بالإسلام. إذ كان أغلب عناصرها معتقلاً، ولم تقم بأية نشاطات ضد نظام الشاه، سوى قيام مجموعة من أعضائها (موسى خياباني، محمود شافعي، محسن نجات حسيني، حسين خوشرو، جليل سيد أحمديان، وكاظم شفيعيها) بالسفر إلى فلسطين عام 1969 والذين تم اعتقالهم قبل مغادرتهم إيران.

في شهر أيلول 1971 تم اعتقال جميع أعضاء اللجنة المركزية عدا أحمد رضائي. وفي السجن قاموا بتأسيس (منظمة مجاهدين خلق إيران)، واختاروا لها هذا الاسم، وكذلك شعار المنظمة (فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً) ليضفي على المنظمة صبغة إسلامية واضحة.

تعرضت المنظمة إلى انشقاق وهي في مراحلها الأولى. إذ قامت مجموعة من أعضاء المنظمة من الذين اعتقلوا قبل عام 1972 أمثال عبد الرسول مشكين فام، كاظم شفيعيها، محمد بازركاني، حسن عباسي ، علي ميهن دوست، عسكري زادة، حسن راهي ، حسين آلادبوش، علي رضا زمرديان، مهدي محصل، هادي محصل و بهمن بازركان بالإعلان عن ماركسيتهم علناً، على الرغم من توجه المنظمة بالمحافظة على الصبغة الإسلامية الظاهرية.

 

بعد اعتقال أكثر أعضائها، بدأت المنظمة بجذب عناصر كثيرة من الشباب المسلم . ولما كان هؤلاء يرفضون الانتماء إلى الماركسية ، وخوفاً من افتضاح أمرها ، أعلنت المنظمة تأييدها للإمام الخميني، وأرسلت ممثلاً عنها إلى النجف الأشرف لملاقاته. ولكن الإمام كان واعياً بأغراضها، عارفاً بأفكارها، مشككاَ بخلفيتها الفكرية البعيدة عن الإسلام.

فشل اللقاء جعل المنظمة تغير توجهها الفكري حيث أعلنت (التغيير الأيديولوجي) للمنظمة من الإسلام إلى الماركسية. حدث ذلك عام 1974 من قبل بهرام آرام وتقي شهرام من أعضاء اللجنة المركزية .

لم يكن جميع أعضاء المنظمة مؤيدين للتغير الأيديولوجي، فقد عارضه عضو اللجنة المركزية مجيد شريف واقفي الذي تعرض للتصفية من قبل وحيد أفراخته وخاموشي وحسين سياه كلاه وبهرام آرام في نيسان 1975 ، وألقوا جثته في العراء، ووضعوا فيها مواد متفجرة ، وأحرقوا جسده. وقامت المنظمة بتصفية (22) عضواً من الرافضين للتحول الأيديولوجي. كما سربوا معلومات عن مجموعة أخرى من أعضاء المنظمة إلى جهاز السافاك الذي اعتقلهم. وقد أدت تلك الممارسات إلى إرعاب الأعضاء المتبقين فأعلنوا انتماءهم للماركسية بصورة علنية.

وبعد اعتقال وحيد أفراخته تعاون مع السافاك واعترف بأسماء وأدوار أكثر من (50) من علماء الدين إضافة إلى (150) آخرين. وقد تم إلقاء القبض عليهم وتعرضوا للتعذيب في معتقلات الشاه. وكان بعض أعضاء المنظمة المعتقلين لا يتوانون عن تهديد العلماء المسجونين معهم أمثال السيد محمود الطالقاني ومهدوي كني وهاشمي رفسنجاني وحسين علي منتظري.

بعد إعلان التغيير الأيديولوجي قامت المنظمة بتغيير اسم نشرتها المركزية من (جنكل) أي الغابة إلى (مجاهد). كما تركت النهج الثوري المسلح، وانصرفت إلى التعبئة الجماهيرية. وغادر كوادرها وأعضاؤها إيران إلى الخارج. كما تضامنت مع منظمة (فدائي خلق إيران) وعارضت الإستراتيجية المسلحة في 1976-1977 .

في عام 1976 بدأت في أمريكا مجموعة طلابية (سازمان دانشجويان مسلمان) أي منظمة الطلاب المسلمين بجذب الطلاب المسلمين في مدينة شيكاغو. وكان لهذه المنظمة دوراً في تنظيم مظاهرات ضد الشاه أثناء زيارته أمريكا. وقد تعرضت المنظمة لانتقادات كبيرة بعد انتصار الثورة الإيرانية بسبب سوء سلوك عناصرها وعدم مراعاتهم الموازين الإسلامية حيث اتهموا بسرقة المحال التجارية وغيرها.

 

عهد الثورة وسقوط الشاه

أثناء الثورة الإسلامية والنشاطات الجماهيرية المعارضة لنظام الشاه، وتبلور حركتها حول قيادة الإمام الخميني ووكلائه ومقلدوه، أي بدا واضحاً النهج الإسلامي للثورة، لم يكن أمام مجاهدي خلق سوى المحافظة على الظاهر الإسلامي ومجاراة للواقع وعدم الاصطدام به، بل جرى التخطيط لاختراق الثورة ورجالاتها وحركاتها ومؤسساتها الوليدة.

في 24/1/1978  أي قبل عام من انتصار الثورة (في 11/2/1979) أصدر مسعود رجوي بياناً تضمن اثني عشر بنداً يوضح المواقف الجديدة للمنظمة تجاه (إعلان تغيير الأيديولوجيا) الصادر عام 1974 جاء فيه: (لقد حدث ذلك الانحراف من قبل مؤامرة مجموعة متنفذة من الانتهازيين وليس شيوعيين). وجاء في البند السابع: (نحن نميز بين هؤلاء الانتهازيين وبقية الماركسيين إذا لم يؤيدوا هؤلاء الانتهازيين). وفي البند الثامن جاء: نحن نناضل بكل قوانا الرجعية والإمبريالية والاستغلال، ونستفيد من الانجازات العلمية والتجارب الثورية ).

في تلك المرحلة وعندما كان الشارع الإيراني يغلي ضد نظام الشاه، وتزداد المظاهرات حماسة وحشوداً، لم تكن أمام التيارات السياسية الأخرى أمثال الجبهة الديمقراطية الوطنية بزعامة متين دفتري (وريثة محمد مصدق) والجبهة الوطنية ، والجماعات الماركسية كفدائي خلق ، والمنظمات الماوية (حزب رنجبران (الكادحين) وجماعة (طوفان) ، وحزب تودة الشيوعي، سوى الرضوخ للواقع الإسلامي الذي فرضته الثورة وقيادتها. ولذلك شارك أعضاء مجاهدي خلق في التظاهرات والنشاطات المعادية للشاه.

 

المواجهة الخاطئة والفرار من إيران

لم يدم شهر العسل طويلاً بين المنظمة والثورة الإسلامية، خاصة بعد أن أيقنت أن القيادة العلمائية والسياسيين الإسلاميين باتوا يملكون السلطة الحقيقية في الجمهورية الجديدة. لقد اعتقد قادة المنظمة أن باستطاعتهم لعب دور أكبر من حجم المنظمة في الشارع الإيراني. ويعود ذلك إلى التنظيم الجيد الذي امتازت به المنظمة، وتعبئة جمهورها من الطلاب والشباب وخاصة الفتيات في النشاطات والفعاليات والمظاهرات التي تقوم بها المنظمة. وتمتلك المنظمة عنصراً مخابراتياً قوياً وظفته لخدمة سياستها وعملياتها الإرهابية.

 جاء ذلك في ظل غياب لتنظيم إسلامي حقيقي، حيث أن الحزب الجمهوري الإسلامي تأسس بعد انتصار الثورة. كما أن النشاط الإعلامي والسياسي للمنظمة كان يعطي صورة أكبر من حجمها الحقيقي. صحيح أنها استطاعت تجنيد عشرات الآلاف من الشباب الإيراني في أغلب المدن الإيرانية لكن توقيتها الخاطئ في المواجهة مع ثورة فتية تعيش في عنفوان انتصارها وفخرها بعد نجاحها في إسقاط أعتى قلعة أمريكية في المنطقة، والانتصار على نظام عسكري وبوليسي شديد، أفقدها التأييد الشعبي . وهذا خطأ استراتيجي ارتكبته المنظمة في اختيارها المواجهة مع الثورة والشعب الإيراني في وقت كان الجميع ينشد بناء الدولة والنظام السياسي وإعمار البلاد وخاصة المحافظات والمدن والقرى المحرومة.

بعد الانتخابات لم تتمكن المنظمة من الفوز في مجلس الشورى الإسلامي بشكل يذكر. وعندما أدركت أن الإمام الخميني لن يغادر طهران ويتوجه إلى قم والانشغال بدروس الحوزة العلمية أو شؤون المرجعية الديني، بل كان بصدد بناء نظام إسلامي يمتد إلى جميع مفاصل المجتمع ومؤسسات الدولة. فلم يكن أمام المنظمة سوى التحالف مع بعض القوى والشخصيات الحكومية من أجل تقوية اختراقها لأجهزة الدولة والحكومة. فقويت علاقة المنظمة بالدكتور أبو الحسن بني صدر، أول رئيس جمهورية في إيران، وهو اقتصادي وسياسي ليبرالي. وأدى تقاطع سياسة بني صدر في كثير من المسائل مع الشخصيات الإسلامية والقيادية ومنها إدارة الحرب التي شنها صدام ضد إيران في 22/9/1980 . لم يكن أمام مجلس الشورى سوى التصويت بسحب الثقة عن بني صدر وإجراء انتخابات مبكرة. هرب بني صدر مع مسعود رجوي في طائرة يقودها طيار الشاه السابق، متوجهين إلى فرنسا.

 

عمليات إرهابية ضد الشعب والحكومة

بدأت المنظمة سلسلة من الإعمال الارهابية ضد الحكومة والشعب على السواء، فهي بذلك سبقت منظمة القاعدة في اللجوء إلى العنف واستخدام نفس الوسائل الإجرامية. فقد قامت بتفجير العشرات من السيارات المفخخة في الشوارع الإيرانية ، والتي راح ضحيتها الكثير من المواطنين الأبرياء. كما قامت بعمليات اغتيالات واسعة شملت رموز النظام الإسلامي وقيادات سياسية وبرلمانية. ففي 28/6/1981 تم تفجير مقر الحزب الجمهوري الذي كان يرأسه آية الله الدكتور محمد حسيني بهشتي رئيس مجلس القضاء الأعلى ومن كباري منظري الثورة الإسلامية والشيخ محمد منتظري  وسبعين عضواً من برلمانيين ووزراء ومسؤولين رفيعي المستوى. وفي شهر آب 1981 تم اغتيال رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر بوضع قنبلة تحت الطاولة التي كانت يجتمعان حولها.

وفي سلسلة اغتيالات طالت أئمة الجمعة قامت المنظمة باغتيال آية الله عبد الحسين دستغيب (1912-1981) وهو في طريقه لأداء صلاة الجمعة، حيث اقتربت منه فتاة انتحارية من عناصر المنظمة عمرها 19 عاماً تحمل قنبلة تزن عدة كيلوغرامات جعلت جسده يتناثر على الأرض والجدران. كما اغتالت المنظمة إمام جمعة كرمانشاه آية الله أشرفي أصفهاني (1904-1981) من قبل شخص يرتدي حزاماً ناسفاً وهو في محراب الصلاة. كما اغتالت آية الله مدني إمام جمعة تبريز وآية الله صدوقي إمام جمعة يزد في نفس الفترة القصيرة. كما اغتالت المنظمة صيادي شيرازي رئيس أركان الجيش الإيراني عندما كان يودع ولده صباحاً قبل ذهابه إلى المدرسة، وذلك في 10/4/1989 .

  وكان العديد من الشهداء والجرحى يقعون ضحايا تلك الاغتيالات .كما مارست خطف رجال الحرس الثوري (الباسداران) وتعريضهم إلى صنوف التعذيب بوسائل وحشية. ففي عام 1984 أفاق الشعب الإيراني على جريمة وحشية راح ضحيتها ثلاثة من الحرس الثوري ( محسن مجيد أمير جليلي وشاهرخ طهماسبي وطالب طاهري) اختطفتهم المنظمة ومارست التعذيب الوحشي الذي أدى إلى شهادتهم حيث استخدمت أدوات تعذيب كالأسياخ والمثاقب والقضبان الحديدية وحقنهم بالسيانيد وتشويه أجسادهم بالماء الحار وسلخ جلدوهم.  وتم إلقاء القبض على الذين ارتكبوا هذه الجريمة ، وحكم عليهم بالإعدام، وفر الآخرون خارج إيران.

وشنت الحكومة حملات ملاحقة وتفتيش الأحياء السكنية والشقق والفنادق وأقسام الطلبة وأروقة الجامعات ونوادي الشباب واعتقال أتباع المنظمة في جميع أنحاء إيران، وألقت القبض على كثيرين منهم وتم إيداعهم في سجن (إيفين) الشهير شمالي طهران. وكشفت حملات المداهمة عن وجود بيوت سرية (خانة تيمي) يقيم فيها عناصر المنظمة من الشباب والفتيات معاً، يأكلون وينامون دون مراعاة للضوابط الشرعية.

 وتحدث إعلام المنظمة عن محاكمات صورية وعدم منح المتهمين فرصة الدفاع عن أنفسهم أو الاستعانة بمحامين، لكن المصادر الحكومية نفت ذلك وأكدت أنها اعتمدت على اعترافات مكتوبة عليها توقيعات المتهمين ومنحوا جميع الضمانات الحقوقية.  

 

العمل السياسي في المنفى

في عام 1981 لم يكن بإمكان المنظمة البقاء في إيران فهاجر أغلب عناصرها إلى الخارج واستقرت قيادتها في فرنسا . وهناك بدأت العمل السياسي وسط الإعلام الدولي المناهض لإيران وحكومة الخميني لأسباب عديدة: إيديولوجية وسياسية واقتصادية. ومن باريس كانت المنظمة تدير عملياتها الإرهابية من اغتيالات وقتل وخطف للمسؤولين والحرس الثوري. الأمر الذي جعل فرنسا ترفض هذه العمليات الوحشية وتطلب من زعيم الحركة مسعود رجوي وزوجته مريم مغادرة باريس، ونقلت المنظمة مركزها إلى بغداد عام 1986 .

 

مسعود رجوي زعيم المنظمة  

ولد مسعود رجوي عام 1948 في مدينة طبس بمحافظة خراسان (شمال شرق إيران). وأنهى دراسته الجامعية في جامعة طهران –قسم الحقوق السياسية. تزوج بالسيدة أشرف (زوجته الأولى) عام 1979 ، وقتلت عام 1982 في اشتباك مسلح قام به الحرس الثوري على مسكنهما. في عام 1985 تزوج بمريم في باريس، وقيل أنه طلقها من زوجها السابق وتزوجها وهي في أشهر العدة ليشكلا ثنائياً قيادياً.

لم يكن رجوي من المؤسسين لمنظمة مجاهدي خلق بل انتمى إليها عام 1967 ، وصار أحد قادتها عندما أصبح عضواً في اللجنة المركزية بعد فترة وجيزة. اعتقل رجوي عام 1971 من قبل نظام الشاه، ولم يطلق سراحه إلا في عام 1979 قبل أكثر من شهر من انتصار الثورة الإسلامية.

تذكر أدبيات المنظمة أن رجوي رفض (التغيير الأيديولوجي) نحو الماركسية الذي قام به مجموعة من قيادة المنظمة عام 1974 وأثناء وجوده في السجن. وأكد على (أن الإسلام يشكل أيديولوجية مجاهدي خلق). كما رفض استخدام لفظة مجاهدين من قبل الجماعة الماركسية، حيث توقفوا عن استخدامه عام 1977.

وجد رجوي كل تأييد من القيادة الإسلامية للعمل السياسي والمشاركة في بناء الدولة الجديدة، لكن مواقفه المتشددة تجاه ما يسميه (بالقراءات التعسفية الرجعية التي كان الإمام الخميني يطرحها باسم الإسلام). لذلك بدأ في طرح فهمه للإسلام وللدولة الجديدة حيث كان يلقي محاضرات على طلبة الجامعات ينتقد فيها النظام الإسلامي والإسلام الفقهي الذي يسعى رجال الثورة لتطبيقه.

في عام 1980 أعلن مسعود رجوي نفسه للترشيح في الانتخابات الرئاسية الأولى في إيران. ولما كان من شروط المرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون مؤمناً ومعتقداً بمبادئ الجمهورية الإسلامية (المادة 115 من الدستور الإيراني) ، وأن رجوي أعلن مراراً رفضه للنظام وحكومة ولاية الفقيه التي نص عليها الدستور، فقد وجد مجلس صيانة الدستور أن هذا الشرط غير مستوف في رجوي، فأعلن المجلس رفضه لترشيح رجوي لرئاسة الجمهورية.

رفع رجوي من معارضته وانتقاده للثورة وقيادتها، وبدأ بجمع قوى المعارضة الأخرى ، حتى وصل الأمر إلى المواجهة المسلحة وفرار رجوي خارج إيران عام 1981. انتقل إلى باريس ونشط فيها لكن الحكومة الفرنسية اتهمته بأنه وراء العمليات الإرهابية التي كانت تحدث في إيران، فغادر باريس إلى العراق عام 1986 .

وصل رجوي إلى بغداد ووجد ترحيباً كبيراً من قبل صدام وحزب البعث، لأن الحرب الدائرة ضد إيران ما زالت مشتعلة. وتستطيع المنظمة أن تلعب دوراً إعلامياً ومعلوماتياً (مخابراتياً) وعسكرياً. منح نظام صدام المنظمة (16) معسكراً في أنحاء العراق وخاصة قرب الحدود مع إيران، حيث ضمت قرابة (20.000) مقاتل. قام نظام صدام بتجهيزهم بالسلاح والعتاد والأسلحة الثقيلة كالدبابات والمدافع وقاذفات الصواريخ ومنظمة استخبارات، إضافة إلى أبنية المعسكرات وتجهيزاتها وقاعاتها وأثاثها وآلياتها من سيارات واتصالات وملابس وغيرها. كما وفر للمعسكرات المدربين العسكريين. كانت المنظمة مرتبطة بالمخابرات العراقية ،وتحصل على أموالها من ميزانية جهاز المخابرات العراقي.

في عام 1987 قامت المنظمة بتشكيل (جيش التحرير الوطني) ليكون الجناح العسكري لمنظمة مجاهدي خلق، وتم تعيين مريم رجوي قائداً لجيش التحرير. وكانت النساء تشكل ثلث عناصر الجيش في العراق. وقد استقطبت الحركة الهاربين من إيران سواء من عناصر المنظمة السابقين أو الذين اضطروا لمغادرة إيران لأسباب أخرى وتجنيدهم في المنظمة. وقد شاركت المنظمة في عدة عمليات عسكرية مساندة للقوات العراقية وضد القوات الإيرانية. وكان آخرها عمليات إيلام شهر في عام 1988 عندما زجت بمئات العناصر إلى المدينة بهدف احتلالها والتوجه نحو طهران في عملية مباغتة، تساندها مجموعات تابعة للمنظمة داخل إيران، لكن العملية فشلت وتم قتل قسم منهم وإلقاء القبض على القسم الآخر.

 

البرنامج السياسي للمنظمة

تأسس مجلس المقاومة وهو أعلى سلطة لمنظمة مجاهدي خلق والهدف منه هو الإطاحة بالنظام الإيراني الحالي وإقامة حكومة مؤقتة. ويتولى تأسيس (جمهورية ديمقراطية إسلامية) التي تؤمن (بحق التصويت لعموم الشعب كأساس لشرعية الجهاز الحكومي المستقبلي للبلاد) وتؤمن بـ(إلغاء الامتيازات القائمة على الجنس (بين الرجل والمرأة) والعرق والمعتقد) وتضمن (الحريات الفردية والجماعية كما هو منصوص في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان  ومنها الحريات الدينية والمذهبية وحظر أي شكل من أشكال تفتيش العقيدة). كما (تمنع جميع أشكال التمييز بين أتباع مختلف الأديان والمذاهب).

ورغم إدعاء المنظمة بالهوية الإسلامية وارتداء نساءها غطاء الرأس الإسلامي لكن عداءها الدين ولرجال الدين يتضح في موقفها من العلاقة بين الدولة والدين الإسلامي. إذ لم ينص البيان التأسيس على دور وموقع الإسلام في (الجمهورية الديمقراطية الإسلامية) بل يشير إلى مساواة الإسلام بالأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية والزرادتشية الموجودة في إيران.  كما يلغي التعليم الديني في المدارس حيث (يحظر كل أشكال التعليم الديني أو العقائدي القسري والإجبار على تأدية أو عدم تأدية المناسك وإقامة أو عدم إقامة الطقوس والمراسم الدينية ). كما يلغي دور الإسلام في التشريعات حيث ينص على أن (صلاحيات السلطات القضائية يجب أن لا تعتمد على موقعها الديني والعقائدي). كما وعدت الجمهورية الإسلامية وفق تصور المنظمة (بإلغاء قوانين وأحكام القصاص والحدود والتعزيرات والديات) الواردة في أحكام الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه.

ولأن رئيسة الجمهورية المرتقبة امرأة ، مريم رجوي، فقد (منحت المرأة جميع الحقوق السياسية والاجتماعية والرياضية والفنية ، وتولي جميع المناصب بما فيها رئاسة الجمهورية والقضاء). كما تتمتع المرأة بحق (اختيار الملبس بحرية) تامة ودون تدخل، و(الحرية التامة في اختيار الزوج وحق الطلاق بشكل متساو). كما منحت امتيازات في العمل والأمومة والأجور المساوية لأجور الرجال، ورعاية المطلقات والأرامل وأطفالهن ضمن نظام التأمين الاجتماعي.

    

المنظمة تقتل أبناء العراق

بعد انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية في آب 1988 حافظت المنظمة على وجودها ومعسكراتها ونشاطاتها، لكن بسبب انتهاء الحرب وهدوء الجبهات، وضعت نفسها بخدمة صدام ونظامه. فقد ساندت قوات صدام في التصدي لثوار انتفاضة 15 آذار 1991 بعد هزيمة الجيش العراقي في الكويت. وتصدت قوات المنظمة  جنباً إلى جنب الحرس الجمهوري في بغداد والمحافظات الجنوبية وخاصة في محافظة كربلاء ، وقتلت العراقيين وهدمت دورهم ومساجدهم وحسينياتهم وأسواقهم ومدارسهم. كما تم نشر قوات المنظمة في محافظة الأنبار لمواجهة أية حركة معارضة للنظام قد تنشب هناك.  لقد صارت المنظمة جزءاً من آلة القمع الصدامي يرسلها بمهام قذرة. وخدمت المنظمة صداماً في مجال الاستخبارات والمعلومات التي كانت تنقلها إلى أجهزته القمعية عن العراقيين المعارضين في إيران أو داخل العراق، إضافة إلى تزويده بمعلومات عسكرية وأمنية عن إيران.

وأثناء تقدم القوات الأمريكية باتجاه بغداد كانت قوات المنظمة تدافع عن نظام صدام حتى أن رئيس أركان القوات المسلحة الأمريكية ريتشارد مايرز أعلن في 15/4/2003 (أن القوات الأمريكية والبريطانية قصفت قواعد المنظمة في العراق). كما أكد متحدث باسم السفارة البريطانية في طهران أندرو جرينستوك (أن قواعد مجاهدي خلق تعرضت لهجمات لأنها كانت تشكل قسماً من القوات المسلحة العراقية ، وتشكل عقبة أمام عملياتنا). 

 

المنظمة بعد سقوط النظام

  بعد سقوط النظام قامت المنظمة بإغلاق معسكراتها العديدة المنتشرة في العراق والتي تعرضت لقصف قوات التحالف أثناء احتلالها العراق، ثم جمعت عناصرها في معسكر واحد هو معسكر (أشرف) في محافظة ديالى المحاذية للحدود الإيرانية. والمعسكر مجهز بجميع وسائل الراحة والخدمات والسكن وقاعات الاحتفالات وساحات الاستعراضات. ولا يُعرف مصدر تمويل المنظمة بعد سقوط النظام الذي كان ينفق عليها من ميزانية العراق.

 وقامت القوات الأمريكية بتجريد المنظمة من أسلحتها الثقيلة، وفرضت قيوداً على حركة أعضاءها الذين لم يتبق منهم سوى (3.600) عضو. ولا يُعلم مكان زعيمها مسعود رجوي ولم يُعلن عن مصيره بعد احتلال العراق. وهناك اعتقاد بأنه وعشرين قيادي آخر محتجزون لدى القوات الأمريكية في مكان سري. وهناك معلومات تقول أنه يقي